وهبة الزحيلي

44

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

قالَ : عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ أي قال تعالى مجيبا دعاءه : ليصيرن قومك بعد زمن قليل نادمين على ما فعلوا ، وذلك حين ظهور علامات الهلاك لهم ، فيحصل منهم الحسرة والندامة على ترك قبول دعوتك لهم إلى الإيمان باللّه والتوحيد ، وعلى مخالفتك وتكذيبك ومعاندتهم إياك . ثم كان الجزاء والعذاب ، فقال تعالى : فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ ، فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً أي أهلكوا وماتوا بصيحة جبريل الرهيبة بهم ، وهي صوت شديد مرعب أدى إلى الصعقة والموت ، فأصبحوا بسبب كفرهم وتكذيبهم رسولهم صرعى هلكى ، كغثاء السيل : وهو الشيء الحقير التافه الذي لا ينتفع بشيء منه ، قال ابن كثير : والظاهر أنه اجتمعت عليهم الصيحة ، مع الريح الصرصر العاصفة القوية الباردة . فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي بعدا من الرحمة وهلاكا ، وسحقا وتدميرا للقوم الكافرين الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم وطغيانهم وعصيان رسولهم ، كقوله تعالى : وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ [ الزخرف 43 / 76 ] . وفي هذا غاية المهانة والذلة لهم ، وإظهار قدرة اللّه عليهم ، وإنذار السامعين أمثالهم من تكذيب رسولهم بأن يصيبهم من العذاب مثل ما أصابهم . فقه الحياة أو الأحكام : العبرة واضحة من هذه القصة ، فهي إنذار مخالفي الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، وبيان عاقبة الكافرين الظالمين الذين ينكرون وحدانية اللّه ، ولا يصدقون بيوم القيامة ، ويعاندون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وواضح من الآيات أن هودا عليه السلام أمر قومه بعبادة اللّه وحده لا شريك له ؛ إذ لا يستحق العبادة سواه ، وحذرهم من الكفر ، وخوفهم من عقاب اللّه وعذابه .